محمد باقر الملكي الميانجي

44

مناهج البيان في تفسير القرآن

الكمال الذاتي فهو مالك النّاس قبل خلقهم ومالك لما وهبهم قبل أن يهبهم . وهذا الكمال غير القيوميّة للخلق . فالقيّوميّة ليست هي المالكيّة مفهوما ، والتعبير من حيث القيوميّة هو « إنّا باللّه » ومن حيث المالكيّة « إنّا للّه » وكم فرق بينهما . وقد تقدّم البحث عن مالكيّته تعالى في تفسير قوله تعالى : « مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ » . [ رجوع الخلق إليه تعالى ] وقوله تعالى : « إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » ، ليس المراد من الرجوع في المقام هو الرجوع المكاني والزّماني ولا الرجوع الذّاتي بالسير الذاتي والتكامل الذّاتي ، وليس المراد به الرّجوع إلى أمره وإبطال المالكيّات وردّ الودائع إلى اللّه تعالى . وليس من باب « عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً » [ طه ( 20 ) / 111 ] وخضعت له الرقاب ، رقاب الجبابرة والذين يدعون الألوهيّة وبرزوا للّه الواحد القهّار قد خلع عنهم لباس الكبرياء وتعزّز الملك والأمر والنهي ، فهم أذلّاء ومقهورون تكوينا لا يخفى على أنفسهم منهم شيء . وحيث إنّ الرجوع إلى اللّه تعالى من أهمّ ما دعا الأنبياء إليه وهو المعاد والمصير إليه سبحانه ، والعود والرجوع إلى ما منه بدء ، فالأولى تفسيره بما فسّره الكتاب العزيز والأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام وهو الرجوع إلى مرضاة اللّه ورضوانه أو إلى نقمته وعذابه أي الرّجوع إلى دار الآخرة . وأوّل منزل من منازل الآخرة هو القبر ، وحيث إنّ الآخرة محيطة بالدنيا فأهل الآخرة يتمكّنون من الورود في رتبة الدنيا مثل الملائكة المأمورين بقبض الأرواح ، وبفناء الدنيا وتلاشيها وتفرّقها برّزت الآخرة بحقائقها اللّطيفة الماديّة للجميع . وحيث إنّ الإنسان يتنزّل في عالم الآخرة بروحه وبدنه ؛ غاية الأمر الرّوح ألطف من البدن والبدن يتغذّى وينمو من الموادّ الدّنياويّة ويكبر ويشيخ وبعد الموت يتحلّل وينفصل منه ما بقي من الموادّ الدّنياويّة ويبقى تراب الروحانيّين كالذّهب في التراب وحين الرجوع تؤخذ موادّ العلّيّين وترجع إليه الروح ، أو الموادّ السجّين بأحسن صورة في الأولى وأقبح صورة في الثانية . وجميع الناس يرجعون إلى الآخرة بروحهم وبدنهم فالموت رجوع إلى الآخرة ؛ والجنّة والنّار منزل نهائيّ في الآخرة فالرجوع إلى اللّه هو العرض على الملك الديّان فسيوفّيهم أجورهم .